محمد أبو زهرة
3459
زهرة التفاسير
لقومي فإنهم لا يعلمون » ، ألا يعد هذا استغفارا ؟ ويرد على ذلك بأن دعوة النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم دعوة بالمغفرة التي تلازمها التوبة ، والتوبة محتملة وقريبة ، ما داموا أحياء ، فإذا ماتوا فقد انقطعت التوبة وصاروا من أصحاب النار ، وهذا موضع النهى ، فالاستغفار للأحياء يجوز لرجاء التوبة ، والاستغفار دعوة بها ، والتعبير للمشركين في قوله تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ . والتعبير بالمشركين لبيان عدم شفاعة ربهم ، وضلالهم في أن جعلوا الأحجار أندادا للّه تعالى ، وقوله تعالى : وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى أي مهما ربطتكم بهم الروابط كما ذكرنا ، وذلك لتوثيق المنع ، وتأكيده . وقوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي ما كان للنبي والمؤمنين أن يستغفروا للمشركين من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم ، وذلك بوفاتهم مشركين معاندين لرب العالمين ، فإنه بعد الوفاة لا رجاء في توبتهم ، حتى يستغفر لهم ، ولذلك قالوا : إن الأحياء من المشركين يجوز الاستغفار لهم ، لأنه طلب المغفرة لهم ، وطلب المغفرة يستدعى الدعاء لهم بالتوبة ، والدعاء بالتوبة جائز ، وأما الاستغفار لمن مات فقد تبين أنه في الجحيم ، ولا توبة ، لأنه انتقل من دار التكليف إلى دار الحساب والجزاء ، وفي قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ملاحظتان بيانيتان : الأولى : في قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ فإنها تشير إلى ما فعلوا من أذى عاينوه ، وعناد قاوموا به الحق ، ثم ماتوا وهم كارهون للحق وأهله مقاومين كافرين باللّه ورسوله . الثانية : في التعبير ب أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ، أي الذين يلازمونها ، والتعبير يشعر بأنهم مقصورون عليها ومقصورة عليهم أي لا يتجاوزونها أبدا ، وهي لازمة لهم ولأمثالهم .